مقدمة
شهدت الجرائم الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة تطورًا غير مسبوق، حتى أصبحت من أكثر الجرائم تعقيدًا من الناحية القانونية والفنية، لما تعتمد عليه من أدلة رقمية ووسائل تقنية تتطلب إجراءات خاصة في جمعها وفحصها والحفاظ عليها.
ولذلك فإن الدفاع في قضايا الجرائم الإلكترونية لا يقوم فقط على إنكار الاتهام، وإنما يعتمد على دفوع قانونية وفنية دقيقة قد يترتب على قبول أحدها انهيار الدليل الفني بأكمله، أو بطلان إجراءات الضبط والتفتيش، أو استبعاد التقارير الفنية، أو انتفاء أركان الجريمة.
وتعد هذه الدفوع من أهم وسائل الدفاع أمام محاكم الجنايات والجنح الاقتصادية في القضايا الناشئة عن تطبيق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجنائية.
أولاً: الدفع ببطلان القبض والتفتيش
يعد هذا الدفع من أهم الدفوع التي يتمسك بها الدفاع.
فالأصل طبقًا للدستور المصري وقانون الإجراءات الجنائية أن الحرية الشخصية مصونة، ولا يجوز القبض على شخص أو تفتيشه إلا بأمر قضائي مسبب صادر من السلطة المختصة، أو في حالة التلبس.
فإذا تم ضبط الهاتف المحمول أو الحاسب الآلي دون إذن صحيح، أو تم فتحه وفحص محتوياته قبل صدور الإذن، فإن كافة الأدلة المستمدة من ذلك تكون باطلة.
ويستند هذا الدفع إلى:
- المادة 54 من الدستور المصري.
- المواد 34، 35، 46 من قانون الإجراءات الجنائية.
- المادة 57 من الدستور الخاصة بحرمة الحياة الخاصة.
وقد استقرت محكمة النقض على أن:
بطلان الإجراء يمتد إلى كل دليل مترتب عليه باعتباره ثمرة لإجراء غير مشروع.
ثانياً: الدفع ببطلان إذن النيابة العامة
الإذن بالتفتيش يجب أن يكون:
- محددًا.
- مسببًا.
- قائمًا على تحريات جدية.
- متعلقًا بجريمة واقعة بالفعل.
أما إذا صدر الإذن بناءً على تحريات مرسلة أو مجهلة أو غير كافية فإنه يكون باطلًا.
كما يبطل الإذن إذا صدر لضبط جريمة مستقبلية أو محتملة.
وقد استقرت محكمة النقض على أن:
جدية التحريات شرط لازم لصحة الإذن، وتقدير ذلك يخضع لرقابة محكمة الموضوع.
ثالثاً: الدفع بعدم جدية التحريات
يعد من أكثر الدفوع استخدامًا.
إذ يجب أن تبين التحريات:
- شخصية المتهم.
- صلته بالجريمة.
- وسيلة ارتكابها.
- الأدلة المؤيدة.
أما إذا جاءت التحريات مجرد أقوال مرسلة أو منقولة عن الغير أو خلت من بيان مصدرها فإنها لا تصلح أساسًا للإدانة.
رابعاً: الدفع ببطلان الدليل الرقمي
الدليل الإلكتروني يختلف عن الدليل التقليدي.
فهو يحتاج إلى المحافظة على سلامته منذ لحظة ضبطه وحتى عرضه على المحكمة.
ويجب إثبات:
- مكان الضبط.
- توقيته.
- الجهاز المضبوط.
- الرقم التعريفي للجهاز.
- عدم العبث به.
- طريقة استخلاص البيانات.
وأي انقطاع في سلسلة حفظ الدليل (Chain of Custody) يثير الشك في سلامته ويبرر طلب استبعاده.
خامساً: الدفع بانقطاع رابطة السببية
قد يكون الحساب الإلكتروني قد تعرض للاختراق.
وقد يستخدم شخص آخر:
- الهاتف.
- الحاسب.
- البريد الإلكتروني.
- حساب فيسبوك.
- واتساب.
- تيليجرام.
ولذلك فإن مجرد وجود الحساب باسم المتهم لا يكفي وحده لإثبات ارتكابه للجريمة.
ويجب على النيابة إثبات:
- أن المتهم هو المستخدم الفعلي.
- وأنه هو من قام بالفعل الإجرامي.
سادساً: الدفع باحتمالية اختراق الحساب
من أشهر الدفوع الفنية.
ويستند إلى إمكانية:
- اختراق البريد الإلكتروني.
- سرقة كلمات المرور.
- التحكم عن بعد.
- اختراق الهاتف.
- استخدام VPN.
- انتحال عنوان IP.
وهو ما يقتضي إجراء فحص فني متكامل بواسطة الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات.
سابعاً: الدفع بانتفاء القصد الجنائي
القصد الجنائي ركن أساسي في أغلب جرائم تقنية المعلومات.
ولا يكفي وقوع الفعل المادي.
بل يجب إثبات:
- العلم.
- الإرادة.
- نية الإضرار.
- قصد الاعتداء.
فإذا انتفى أحد هذه العناصر انتفى الركن المعنوي للجريمة.
ثامناً: الدفع بانتفاء الضرر
بعض الجرائم الإلكترونية تستلزم تحقق ضرر فعلي.
فإذا لم يثبت:
- الضرر.
- أو لم يقع بالفعل.
- أو كان الضرر وهميًا.
- أو لم ينشأ عن فعل المتهم.
انتفت أركان الجريمة.
تاسعاً: الدفع بانتفاء أركان جريمة الابتزاز الإلكتروني
الابتزاز الإلكتروني لا يتحقق بمجرد إرسال رسالة.
بل يجب إثبات:
- وجود تهديد.
- أن يكون التهديد جديًا.
- أن يقصد به حمل المجني عليه على فعل أو امتناع.
- وجود علاقة سببية بين التهديد والطلب.
فإذا تخلف أحد هذه العناصر انتفت الجريمة.
عاشراً: الدفع بانتفاء جريمة الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة
يشترط القانون:
- أن تكون البيانات خاصة.
- أن يتم الحصول عليها بغير رضا صاحبها.
- أن يتم استخدامها أو نشرها أو تسجيلها.
أما إذا كان المجني عليه قد نشر البيانات بنفسه أو سمح بتداولها فقد يختلف التكييف القانوني وفقًا لظروف الواقعة.
الحادي عشر: الدفع بعدم سلامة التقرير الفني
التقرير الفني لا يعد دليلًا قاطعًا.
بل يخضع لتقدير المحكمة.
ويجوز الطعن عليه إذا:
- أغفل فحص الجهاز بالكامل.
- لم يحدد تاريخ إنشاء الملفات.
- لم يحدد المستخدم الحقيقي.
- لم يثبت سلامة استخراج البيانات.
- لم يبين طريقة الفحص.
- لم يراع المعايير الفنية المتعارف عليها.
الثاني عشر: الدفع بطلب ندب لجنة خبراء
يجوز للدفاع طلب:
- ندب خبير من وزارة العدل.
- أو لجنة ثلاثية.
- أو خبراء متخصصين في الأدلة الرقمية.
لفحص:
- الهواتف.
- الحواسب.
- السيرفرات.
- الكاميرات.
- الأقراص الصلبة.
- سجلات الدخول.
- عناوين IP.
وذلك للتحقق من سلامة الأدلة الفنية.
الثالث عشر: الدفع بعدم حجية صور المحادثات
لقطات الشاشة (Screenshots) لا تعد وحدها دليلًا كافيًا إذا أنكرها الخصم، إذ يمكن التعديل عليها بوسائل تقنية.
ولذلك يتمسك الدفاع بضرورة فحص الهاتف الأصلي واستخراج البيانات بواسطة الجهات الفنية المختصة للتحقق من صحة المحادثات وعدم العبث بها.
الرابع عشر: الدفع بانعدام الصلة بين المتهم والجهاز المضبوط
قد يضبط الجهاز في:
- شركة.
- مقهى إنترنت.
- منزل مشترك.
- سيارة.
- مكتب.
ويكون مستخدمه شخصًا آخر.
وبالتالي لا يكفي مجرد ضبط الجهاز لإسناد الجريمة إلى المتهم، ما لم تثبت النيابة صلته الفعلية به.
الخامس عشر: الدفع بانقطاع سلسلة حيازة الدليل الرقمي
من المبادئ الفنية المستقرة أن الدليل الرقمي يجب أن تمر عليه سلسلة حفظ متصلة منذ ضبطه وحتى عرضه على المحكمة.
وأي عبث أو فتح للجهاز أو نسخ للبيانات دون إثبات ذلك في محاضر رسمية يثير الشك في سلامة الدليل ويبرر طلب استبعاده.
السادس عشر: الدفع بعدم كفاية الدليل الفني وحده للإدانة
لا يغني التقرير الفني عن باقي عناصر الإثبات.
فقد يثبت وجود ملف أو حساب أو رسالة، لكنه لا يثبت بالضرورة أن المتهم هو من أنشأها أو أرسلها أو استخدمها.
ومن ثم يجب أن تتساند الأدلة الفنية مع أدلة أخرى متوافقة ومتكاملة حتى تطمئن المحكمة إلى نسبة الفعل إلى المتهم.
الأساس القانوني
ترتكز الدفوع السابقة على أحكام:
- قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.
- قانون الإجراءات الجنائية.
- قانون العقوبات.
- قانون الإثبات.
- الدستور المصري، ولا سيما المواد المتعلقة بحرمة الحياة الخاصة وضمانات الحرية الشخصية وحق الدفاع.
- المبادئ المستقرة في قضاء محكمة النقض بشأن مشروعية الدليل ووجوب سلامة إجراءات الضبط والتفتيش.
خاتمة
تتميز قضايا الجرائم الإلكترونية بخصوصية تجمع بين الجوانب القانونية والفنية، مما يجعل نجاح الدفاع مرهونًا بفهم النصوص القانونية وآليات جمع وتحليل الأدلة الرقمية. ولا يكفي الاعتماد على الدفوع الشكلية أو الموضوعية وحدها، بل ينبغي بناء استراتيجية دفاع متكاملة تقوم على فحص مشروعية الإجراءات، وسلامة الدليل الإلكتروني، ومدى توافر أركان الجريمة والقصد الجنائي، والاستعانة بالخبرة الفنية عند الاقتضاء.
وفي جميع الأحوال، يبقى الفصل في مدى قبول هذه الدفوع أو رفضها منوطًا بسلطة المحكمة في ضوء وقائع كل دعوى وما يقدم فيها من أدلة ودفوع، وهو ما يبرز أهمية الإعداد القانوني والفني الدقيق منذ بداية التحقيقات وحتى صدور الحكم.
الأسئلة الشائعة
المستشار عمرو العماد ابو المجد



لا يوجد تعليق